لأعوام طويلة، اعتُبر تخصص علوم الحاسوب بوابة العبور شبه الحصرية إلى عالم الهايتك. كان الخيار الآمن، الواضح، والمباشر لكل من يطمح بمستقبل مهني في التكنولوجيا. لكن مع التسارع غير المسبوق في تطور الذكاء الاصطناعي، بدأت هذه المعادلة تتغيّر جذريًا.

اليوم، وفي عصر تستطيع فيه الخوارزميات كتابة الأكواد، وتحليل البيانات، وأتمتة مهام كانت حتى وقت قريب حكرًا على الإنسان، يطرح سؤال جوهري نفسه:
هل ما زال علوم الحاسوب هو الخيار الأفضل لدخول الهايتك؟

من البرمجة إلى فهم البيانات والإنسان

مع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي، لم يعد التحدي الأساسي هو “كيف نبرمج”، بل “كيف نفهم البيانات ونحوّلها إلى قرارات ذكية”. هذه الرؤية يشاركها عدد متزايد من كبار المدراء في صناعة الهايتك، الذين يعترفون اليوم بأنهم لو عادوا إلى مقاعد الدراسة، لاختاروا مسارات أكاديمية مختلفة.

بدل التركيز على تخصص تقني واحد، يدعو هؤلاء إلى دمج التخصصات:
علوم البيانات مع القانون، التكنولوجيا مع الفلسفة، أو حتى علم النفس مع ريادة الأعمال.
برأيهم، القدرة على فهم الإنسان، وسلوكه، وثقافته، لا تقل أهمية عن المعرفة التقنية ذاتها.

رأي من قلب الصناعة

رونن أرمون، نائب الرئيس للمنتجات والتكنولوجيا في شركة Cellebrite، يوضح هذا التحول قائلًا:

“في الماضي، كان تعلم علوم الحاسوب هو بطاقة الدخول لعالم البرمجة، من هياكل البيانات إلى أنظمة التشغيل والخوارزميات. اليوم تغيّر التركيز بالكامل، وأصبح يتمحور حول البيانات والمعلومات.

الابتكار الحقيقي يأتي من القدرة على جمع كميات هائلة من البيانات، تحليلها، واستخلاص توصيات تشكّل الملكية الفكرية الجديدة.”

ويضيف أرمون أن العالم أصبح أكثر عولمة، وأن القضايا الثقافية، السياسية والقانونية باتت تؤثر بشكل مباشر على فرص النجاح المهني، ما يجعل المعرفة متعددة الأبعاد ضرورة لا رفاهية.

“لو كنت طالبًا اليوم، لاخترت تخصصًا مرتبطًا بفهم البيانات، مثل علوم البيانات، ويفضّل دمجه مع مجال تطبيقي كالصحة، الفيزياء أو التمويل. أما كتخصص ثانٍ، فكنت سأختار مجالًا ثقافيًا أو قانونيًا مثل الحقوق أو دراسات شرق آسيا.”

الشغف والإنسانية كميزة تنافسية

من جهته، يرى أفيف سيني، خبير الذكاء الاصطناعي التوليدي في شركة Taboola، أن التميّز في عصر الذكاء الاصطناعي يبدأ من الداخل:

“لو عدت طالبًا اليوم، لاخترت مجالًا أشعر بشغف حقيقي تجاهه. الذكاء الاصطناعي قد يتفوّق في الحساب والتحليل، لكنه لا يستطيع تقليد الفضول، الحماس، والرغبة في الابتكار.”

ويشير سيني إلى أن المهارات الإنسانية، مثل فهم الآخرين والتفاعل معهم، أصبحت أكثر أهمية من أي وقت مضى، ما يجعل تخصصات مثل علم النفس ذات قيمة عالية في عالم التكنولوجيا الحديث.

ما الذي يجب أن ندرسه فعلًا؟

الرسالة التي يبعث بها قادة الهايتك واضحة:
النجاح في هايتك 2025 لا يعتمد على تخصص واحد “سحري”، بل على القدرة على الربط بين التكنولوجيا والإنسان، بين البيانات والفهم العميق للسياق.

علوم الحاسوب لم تختفِ، لكنها لم تعد وحدها في الواجهة. المستقبل لمن يعرف كيف يستخدم التكنولوجيا بذكاء، ويفهم تأثيرها على البشر والمجتمع، ويقود التغيير بدل أن يلاحقه.

הכתבה המלאה: https://www.ynet.co.il/digital/technology/article/hkddvjb111g